العيني
255
عمدة القاري
أو الفرج ؟ والأول هو الأصح . فإن قلت : أورد هذه الآية هاهنا ولم يبين منها شيئاً فما كانت فائدة ذكرها هاهنا . قلت : أقل فائدة التنبيه إلى نجاسة الحيض ، والإشارة أيضاً إلى وجوب الاعتزال عنهن في حالة الحيض ، وغير ذلك . 1 ( ( بابُ كَيْفَ كانَ بَدْءَ الحَيْضِ ) ) أي : هذا باب ، فارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز فيه التنوين بالقطع عما بعده ، وتركه للإضافة إلى ما بعده والباب أصله : البوب ، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ويجمع على أبواب وابوية ، والمراد من الباب هنا النوع . كما في قولهم : من فتح باباً من العلم أي : نوعاً وكلمة ، كيف اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم : على كيف تبيع الأحمرين ؟ فإن قلت : ما محل : كيف ، من الإعراب ؟ قلت : يجوز أن تكون حالاً ، كما في قولك كيف جاء زيد ، أي : على أي حالة جاء زيد ؟ والتقدير هاهنا على أي حالة كان ابتداء الحيض ؟ ولفظ كان من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرض لزواله في الحال أو لا زواله وبهذا يفترق عن : صار ، فإن معناه الانتقال من حال إلى حال ، ولهذا لا يجوز أن يقال : صار الله ، ولا يقال إلا كان كان الله . قوله : ( بدء الحيض ) من بدأ يبدؤ بدوأ أي : ظهر ، والبدأ بالهمزة في آخره على فعل ، بسكون العين من بدأت الشيء بدأت : ابتدأت به . وقَوْلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا شَيْءٌ كتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ هذا من تعليقات البخاري ، والآن يذكره موصولاً لا عقيب هذا ، وسيذكره أيضاً في الباب السادس في جملة حديث ، وقال بعضهم : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : هذا شيء ، يشير إلى حديث عائشة المذكور عقيبه . قلت : هذا الكلام غير صحيح ، بل قوله صلى الله عليه وسلم : هذا شيء ، يشير به إلى الحيض فكذلك لفظ : شيء في الحديث الذي سيأتي في الباب السادس ، ولكنه بلفظ : ( فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ) وفي الحديث الذي عقيبه : ( إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ) وعلى كل تقدير الإشارة إلى الحيض ، وقد استدركه هذا القائل في آخر كلامه بقوله : والإشارة بقوله هذا إلى الحيض . وَقَالَ بَعْضُهُمْ كانِ أَوَّلُ مَا أُرْسلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ هذا قول عبد الله بن معسود وعائشة ، رضي الله تعالى عنهما . أخرجه عبد الرزاق عنهما ولفظه ( كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً ، وكانت المرأة تتشرف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد ) فإن قلت : الحيض أرسل على بنات بني إسرائيل على هذا القول : ولم يرسل على بنيه ، فكيف قال : على بني إسرائيل ؟ قلت : قال الكرماني : يستعمل بنو إسرائيل ، ويراد به أولاده ، كما يراد من بني آدم أولاده . أو المراد به القبيلة . قلت : هذا من حيث اللغة يمشي ، ومن حيث العرف لا يذكر الابن ويراد به الولد ، حتى لو أوصى بثلث ماله لابن زيد ، وله ابن وبنت لا تدخل البنت فيه ، ودخول البنات في بني آدم بطريق التبعية . وقوله : أو المراد به القبيلة ، ليس له وجه أصلاً لأن القبيلة تجمع الكل فيدخل فيه الرجال أيضاً . وقد علم أن طبقات العرب ست ، فالقبائل تجمع الكل ويمكن أن يقال إن المضاف فيه محذوف تقديره ، على بنات بني إسرائيل ، يشهد بذلك قوله : عليه الصلاة والسلام : ( كتبه الله على بنات بني آدم ) وقد ذكر التوفيق بينهما عن قريب إن شاء الله تعالى . فإن قلت : ما محل قوله : على بني إسرائيل من الإعراب ؟ قلت : النصب لأنها جملة وقعت خبراً لكان قوله أو ل مرفوع لأنه اسمه ، وكلمة ما ، مصدرية تقديره ، كان أول إرسال الحيض على بني إسرائيل . قالَ أبُو عبْدِ اللَّهِ وَحَدِيثُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أكْثَرُ أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى درجة التوفيق بين الخبرين ، وهو أن كلام الرسول ، صلى الله عليه وسلم أكثر قوة وقبولاً من كلام غيره من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم . وقال الكرماني : ، ويروي : ( أكبر ) بالباء الموحدة ، ومعناه : على هذا ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلمأعظم وأجل وآكد ثبوتاً وفسر الكرماني الأكثر ، بالثاء المثلثة ، وأي : أشمل ، لأنه يتناول بنات إسرائيل وغيرهن ، وقال بعضهم : أكثر أي : أشمل لأنه عام في جميع بنات بني آدم ، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن . قلت : لم لا يجوز أن يكون الشمول في بنات إسرائيل ومن بعدهن ؟ وقال الداودي ليس بينهما مخالفة ، فإن نساء